مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

35

تفسير مقتنيات الدرر

الأمر * ( [ لأَرْجُمَنَّكَ ] ) * بالحجارة وقيل : لأرمينّك بالذنب والعيب والشتم ، وقيل : معناه لأقتلنّك . فانظر أيّها الإنسان كيف راعى إبراهيم قضاء حقّ القرابة والإرشاد إلى الدين الَّذي من أعظم أنواع الإحسان وأورد كلامه باللطف ومراعاة حسن الأدب ، وما أورد معروفه بالخشونة والغلظة حتّى يصير ذلك سببا لإعراض المستمع فيكون ذلك في الحقيقة سعيا في الإغواء فقد روي أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : أوحى اللَّه إلى إبراهيم أنّك خليلي فحسّن خلقك ولو مع الكفّار تدخل مداخل الأبرار فإنّ كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه أن اظلَّه تحت عرشي وأن اسكنه حظيرة قدسي وادنيه من جواري . ثمّ بعد أن هدّد آزر إبراهيم بالرجم قال : إن بقيت بقربي وما بعدت عنّي لأرجمنّك * ( [ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ] ) * أي دهرا طويلا أو سليما سويّا عن عقوبتي ، وأتى على فلان ملاوة من الدهر أي زمان بعيد . * ( [ قالَ ] ) * إبراهيم : * ( [ سَلامٌ عَلَيْكَ ] ) * سلام توديع وهجر ومتاركة وهذا مصداق قوله تعالى : « وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً » « 1 » ويمكن أن يكون : دعا له بالسلامة استمالة له ألا ترى أنّه وعده بالاستغفار وقال : * ( [ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ] ) * . واحتجّ الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية وتقريره قالوا : إنّ إبراهيم عليه السّلام فعل ما لا يجوز لأنّه استغفر له وهو كافر والاستغفار للكافر لا يجوز وإنّه استغفر لأبيه لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم : « سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي » وقوله : « وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّه ُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ » « 2 » وأمّا أنّه كافر فذاك بنصّ القرآن وبالإجماع وأمّا أنّ الاستغفار لا يجوز للكافر لقوله تعالى : « ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ » « 3 » ولقوله تعالى في سورة الممتحنة : « قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ - إلى قوله - إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لأَبِيه ِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ » « 4 » فأمر الناس بالاقتداء به إلَّا في هذا الفعل فهذا فعل منهيّ عنه .

--> ( 1 ) هود : 69 . ( 2 ) الشعراء : 86 . ( 3 ) البراءة : 114 . ( 4 ) الممتحنة : 4 .